الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
558
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
- صلى اللّه عليه وسلم - منا ، فدخل أحدهما على النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - فأخبره بذلك ، فخرج النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - وقد عصب على رأسه حاشية برد ، فصعد المنبر - ولم يصعده بعد ذلك اليوم - فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : « أوصيكم بالأنصار ، فإنهم كرشى وعيبتي ، وقد قضوا الذي عليهم ، وبقي الذي لهم ، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم » « 1 » . وقوله « كرشى وعيبتي » أي موضع سرى أراد أنهم بطانته وموضع أمانته ، والذين يعتمد عليهم في أموره . واستعار الكرش والعيبة لذلك . لأن المجتر يجمع علفه في كرشه ، والرجل يجمع ثيابه في عيبته ، وقيل : أراد بالكرش الجماعة ، أي جماعتى وصحابتى يقال : عليه كرش من الناس ، أي جماعة ، قاله في النهاية . وذكر الواحدي بسند وصله بعبد اللّه بن مسعود قال : نعى لنا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - نفسه قبل موته بشهر ، فلما دنا الفراق جمعنا في بيت عائشة فقال : « حياكم اللّه بالسلام ، رحمكم اللّه ، جبركم اللّه ، رزقكم اللّه ، نصركم اللّه ، رفعكم اللّه ، آواكم اللّه ، أوصيكم بتقوى اللّه ، وأستخلفه عليكم ، وأحذركم اللّه ، إني لكم منه نذير مبين ، أن لا تعلوا على اللّه في بلاده وعباده ، فإنه قال لي ولكم : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ « 2 » وقال : أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ « 3 » » ، قلنا : يا رسول اللّه ، متى أجلك ؟ قال : « دنا الفراق ، والمنقلب إلى اللّه وإلى جنة المأوى » ، قلنا : يا رسول اللّه ، من يغسلك ؟ قال : « رجال من أهل بيتي الأدنى فالأدنى » ، قلنا : يا رسول اللّه ، فيم نكفنك ؟ قال : « في ثيابي هذه وإن شئتم في بياض ثياب مصر ، أو حلة يمنية » ، قلنا : يا رسول اللّه ، من يصلى عليك ؟ قال : « إذا أنتم غسلتمونى وكفنتمونى فضعوني على سريري هذا على شفير
--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 3799 ) في المناقب ، باب : قول النبيّ اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن سيئاتهم . من حديث أنس - رضى اللّه عنه - . ( 2 ) سورة القصص : 83 . ( 3 ) سورة الزمر : 60 .